علي الهجويري

396

كشف المحجوب

لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً « 1 » أعنى أنهم يسألون ولكن لا يلحفون ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم سئل لضيافة أصحابه وقال : « اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه » « 2 » . والصوفية يعتبرون المسألة جائزة في ثلاثة أحوال : أولها : لحفظ قلوبهم من الاشتغال بغير الله لأنهم يقولون : إننا لا نجعل أهمية الرغيفين حتى ننتظرهما طول النهار والليل فإذا جعنا لا نطلب شيئا من الله غيرهما لأنه لاهم أكثف من الاشتغال بالغذاء ، لذلك فإن تلميذ شقيق عندما زار أبا يزيد وأجاب على سؤاله عن حالة شقيق مخبرا بأن شقيق انقطع كلية عن بني آدم وتوكل في كل أموره على الله . قال له أبو يزيد إذا رجعت إلى شقيق قل له احذر أن تمتحن ربك برغيفين فإذا جاء فليسأل إخوانه وليترك التوكل المصطنع حتى لا يخسف الله بهذه المدينة من شؤم معاملته . ثانيها : من الجائز لهم أن يسألوا لتهذيب نفوسهم والصوفية يسألون حتى يذوقوا ذل السؤال ويشاهدوا قدرهم في أعين الناس فلا يتكبرون . ولما أتى الشبلي إلى الجنيد قال له الجنيد : يا أبا بكر إن رأسك ملأى بالغرور لأنك ابن حاجب حجاب المدينة وأمير سامرا ولا يحصل لك خلاص حتى تذهب إلى السوق تسأل كل من تراه لكي تعرف مقدارك . فأطاع الشبلي وسأل في السوق ثلاث سنوات وفي كل يوم يزداد الناس استخفافا به حتى أنه ذهب مرة إلى السوق فلم يجد دانقا فرجع وأخبر الجنيد بذلك ، فقال له الجنيد الآن يا أبا بكر رأيت أنك لا تساوى شيئا في أعين الناس فلا يشتغل قلبك بهم . والأمر بالسؤال إما جعل للتربية لا للكسب . يروى عن ذي النون المصري أنه قال كان لي صاحب متوكل على الله تعالى فرأيته ذات يوم بعد وفاته في

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 273 . ( 2 ) أخرجه البخاري والطبراني عن عائشة والطبراني والبيهقي عن ابن عباس .